جـدة.. رصيفٌ يسع الجميع وقلوبٌ لا تعرف التصنيف.
عن الخفّة" التي نفتقدها في زحام المظاهر والبرستيج . هناك مدنٌ تُبنى على (( البرستيج)) ، حيث تتحول الوجوه إلى أقنعة، والبيوت إلى حصون، والمظاهر إلى ساحة معركة؛ حيث يركض المرء لاهثاً ليثبت أنه ((أعلى))، ويستعير الفقير ثوب الغني ليتقي برد الانتقاد والطبقية. هناك، المدن قاسية مثل الصحراء التي نشأت عليها، لا ترحم من لا يملك صوتاً عالياً أو سيارةً فارهة. أما جدة.. فهي ابنة البحر. والبحر لا يعرف الطبقية، هو يفتح ذراعيه للملك وللصياد على حدٍ سواء. في أزقتها، تذوب الفوارق كما يذوب الملح في مائها. تجد ((الهامور)) و((البسيط)) يجلسان على رصيف واحد، يتنفسان ذات الرطوبة، ويضحكان ذات الضحكة الصافية. في جدة، الغني لا يرى في غناه "تعالياً"، والفقير لا يرى في فقره "نقصاً". النفوس هنا رحبة كمدى الأفق، والقلوب بيضاء كبياض بيوت "البلد" القديمة. لا أحد يحاول أن يكون ((أحدًا آخر))، فالجميع متصالح مع إنسانيته قبل رصيده البنكي. إنها المدينة التي علّمتنا أن (( البساطة)) هي أرقى أشكال الفلسفة، وأن (( اللين)) هو القوة الحقيقية في زمن التكلف. جد...